مجموعة مؤلفين
55
الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )
فأقر بصدقه واعترف ، والجاهل نظر فيه وانحرف ، والشاك تحير فتوقف ، والظان تخيل وما عرف ، والناظر تطلع وتشوف ، والمقلد مع كل صنف تصرف » . ( مجموع الرسائل : كتاب شق الجيب ، ص 53 - 54 ) . تعليق وتعقيب : الحق أن ابن عربى ينطق السالك هنا بألفاظ وعبارات رمزية استطاع ببراعته الفائقة ، وذوقه المصقول ، أن يؤلف بينها هذا التأليف الرائع ، الذي يمكن أن نستخرج له منه نظرية في المعرفة على اختلاف درجاتها ، والعارفين على تفاوت مقاماتهم : فهاهنا أربعة أنهار ، وأربعة أبحار ، وبحر محيط ، وسواحل . أما الأنهار الأربعة فإنها تصب في الأبحار الأربعة ، كما أن من هذه الأنهار الأربعة ينبع ويتكون البحر المحيط الذي يحيط به اللّه على الرغم من أن السواحل - ولعل ابن عربى يعنى بها الواقفين على سواحل هذا البحر المحيط ممن لم يعرفوا بعد ، ولكنهم يدعون المعرفة فيزعمون أنهم يعرفون ، وأن هذا البحر المحيط هو بحرهم ، والحقيقة أنهم لما يتحققوا بمعرفة بعد ، لأنهم ما يزالون واقفين على السواحل دون أن يكونوا قد ألموا بالبحر المحيط ، أو أوغلوا فيه - قدا ادعته لنفسها . وهاهنا أيضا يتبين مع ابن عربى أن المعرفة الإنسانية إنما تتوقف على المشيئة الإلهية ، بمعنى أنها تمنح للعارفين بمقدار ما يشاء اللّه أن يشهدهم عليها ، وهذا يعنى بعبارة أخرى أن اللّه هو الذي يمنح المعرفة للإنسان منحا وهبيا ، وليس الإنسان هو الذي يحصل هذه المعرفة تحصيلا كسبيا . ولعل فيما يرمز به ابن عربى من أسماء أطلقها على هذه الأبحار الأربعة ، ما يمكن أن نتبين منه أن المعرفة على اختلاف درجاتها الروحية إنما هي تعريف من لدن اللّه ، أكثر من أنها تعرف من جانب الإنسان : فتسمية أحد هذه البحار ببحر الأرواح ، وثانيها ببحر الخطاب ، وثالثها ببحر الشكر ، ورابعها ببحر الحب ، من شأنها أن تظهرنا على أن الأرواح والخطاب والشكر والحب ، - وكلها من شؤون العالم العلوي في كل شئ ، وليست